فخر الدين الرازي

51

المطالب العالية من العلم الإلهي

والنحوسة ، والذكاء والبلادة ، واتفقوا أيضا على أن للقرانات آثارا عظيمة في هذا الباب . واتفقوا على أنه لا تختلف أحوال تلك القرانات [ إلا « 1 » بسبب وقوع الثوابت في البيوت المناسبة لها . واتفقوا على أن لسهم السعادة تأثيرا قويا في إعطاء السعادات ، ولسهم الغيب تأثيرا قويا في إعطاء [ المعارف الحقة والوقوف على المغيبات « 2 » ] وعلماء الأحكام من الزمان الأقدم إلى عهدنا هذا ، مصرون على صحة هذه الدعاوى ، وجازمون بأن كل من جرب أحوال الطوالع ، علم يقينا أن لهذه الأسباب آثارا قوية في هذا الباب . إذا عرفت هذا فنقول : نحن لا ندعي صحة هذه الأصول ، ولا ندعي « 3 » أنها معلومة أو مظنونة ، بل نقول : لا أقل من أن يكون احتمال أن يكون الأمر على ما قالوه قائما . وبتقدير أن تصح كل هذه الأشياء أو بعضها . فإنه لا يمتنع أن يكون اختصاص مدعي النبوة والرسالة بهذه المعجزات ، إنما كان لأجل اشتمال طالع مولده على حالة من هذه الأحوال . فلعله وقع سهم السعادة وقوعا عجيبا يقتضي حصول هذه السعادات . ولعله وقع سهم الغيب في طالعه وقوعا يقتضي قدرته على الإخبار عن الغيوب . وأنا أقول : إني قد رأيت إنسانا لم يتفق في طالع مولده شيء من الأشياء الكاملة ، إلا أنه كانت « الشعري اليمانية » واقعة على درجة تاسعة . فلا جرم بلغ في العلوم النقلية والعقلية مبلغا عاليا ، من غير حاجة إلى تحمل تعب في المطالعة والتحصيل . وإذا ثبت أن هذا الاحتمال قائم ، ظهر أنه لا سبيل البتة إلى القطع بأن هذه الخوارق التي ظهرت على الأنبياء : من فعل اللّه تعالى . وحكى « محمد بن زكريا الرازي » في بعض كتبه : أنه رأى رجلا يهوديا ، كان يستخرج الخبيء والضمير على أحسن الوجوه ، وبقي على تلك الحالة

--> ( 1 ) من ( ل ) ، ( طا ) . ( 2 ) من ( ط ، ل ) . ( 3 ) ولا ندعي انتهاؤها إلى العلم والظن ، ولا أقل من يكون احتمال الأمر . . . الخ » ( ت ) .